ابن كثير

99

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الأحمسي ، حدثنا وكيع ، حدثنا هشام بن عروة عن يحيى بن عباد أن الزبير رضي اللّه عنه ، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها ، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر ، رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه ، عن عبد اللّه بن الزبير ، فذكره . وقوله تعالى : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي وما أنزل اللّه الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبا لقلوبكم وتطمينا ، وإلا فإنما النصر من عند اللّه الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم ، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم ، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ [ محمد : 4 - 6 ] ولهذا قال هاهنا وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أي هو ذو العزة التي لا ترام ، والحكمة في قدره والأحكام . ثم قال تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير ، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين ، فقال : لِيَقْطَعَ طَرَفاً أي ليهلك أمة مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي يخزيهم ويردهم يغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا . ولهذا قال : أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا أي يرجعوا خائِبِينَ أي لم يحصلوا على ما أملوا . ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له ، فقال تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي بل الأمر كله إليّ ، كما قال تعالى : فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [ الرعد : 40 ] وقال لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] وقال إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] . قال محمد بن إسحاق في قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم . ثم ذكر تعالى بقية الأقسام ، فقال أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ، ولهذا قال فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ أي يستحقون ذلك . وقال البخاري « 1 » : حدثنا حبان بن موسى ، أنبأنا عبد اللّه ، أنبأنا معمر عن الزهري ، حدثني سالم عن أبيه ، أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر « اللهم العن فلانا وفلانا » بعد ما يقول سمع اللّه لمن حمده ، ربنا ولك الحمد » فأنزل اللّه

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة آل عمران باب 9 )